حصري ومثير: حقائق حول الاحتجاجات في الحسيمة

المحرر ـ متابعة

بعض الأصوات المبحوحة التي أعياها المسير في 2011 وتأكدت أنها لن تحقق أي هدف من أهدافها عادت هذه الأيام  لكي تخرج من بياتها الشتوي ، ولكي تستأنف تبشيرها للمغاربة بماكانت تقوله أيام العشرين

العين المجردة لن تخطئ هؤلاء، فهم نفس الأقلام التي كانت تشحذ قوتها لكي تؤلب الناس سنة الربيع العربي لكي تلحق المغرب بالركب، والتي توارت إلى الخلف ومضت تعبر عن خيبة أملها بين فينة اختفاء وأخرى، هي التي طفت على السطح مجددا معتقدة أنها وجدت فيما يقع في الحسيمة ما يلبي نواياها الخفية التي لا تجرؤ إلى حد الآن على المجاهرة بها وإن كان “الصب تفضحه عيونه” مثلما يقول المأثور الفني العربي

الميزة المشتركة بين هاته الأًصوات هي قفزها على عديد الحقائق ولي عنق الواقع لأجل الوصول السريع إلى الخلاصات التي تريد إيهام المواطن المغربي بها، سوى أن ما تنساه هاته الأصوات هو أن المبني على الباطل باطل، وأن الكذب لم يكن أبدا طريقا سليما لا للقيام بالإصلاح ولا لمساندة هذا الإصلاح المزعوم، ولا حتى للقيام بالثورة التي تتمنى أصوات البحة هاته أن تقع في هذا البلد الأمين

لنعد سرد وقائع احتجاج الحسيمة مثلما هي على الأرض ردا على هؤلاء، وإيصالا لحقيقة مغيبة اليوم بفعل شعبوية وسائط التواصل الاجتماعي وبفعل عامل خطير لا شك أنكم انتبهتم إليه: تجند وسائل إعلامية أجنبية لصب مزيد من الزيت على النار، وإيصال صورة غير الصورة الحقيقية عن المغرب إلى الخارج والهدف لا يخفى على لبيب ولا على حصيف والمغربي الإثنان، أي هو لبيب وحصيف في الوقت ذاته لذلك يتابع مايراه ويقول “اللهم احم بلدنا من هؤلاء وكفى”

شعار السلمية في الاحتجاج

هذا الشعار جميل للغاية، والجميع متشبث به، والجميع يعرف قيمته خصوصا عندما تصدح أصوات الناس به قرب الزفزافي يوم الصعود إلى السطح المعلوم “سلمية سلمية لا حجرة لا جنوية”، سوى أن الشعار يسقط في الثانية الموالية حين تشرع نفس الأصوات التي كانت تردده في قصف رجال الأمن بالحجارة وبكل ما يوجد قرب يدها من أدوات “التشيار”.

الذين دخلوا المنزل الذي كان الزفزافي يتحدث من على سطحه يومها يتحدثون عن أرطال من الحجارة كانت موضوعة بعناية استباقية تدل على أن شعار السلمية هو في نهاية المطاف…شعار، أما الواقع فشيء آخر مخالف تماما رآه الناس في كيفية التعامل مع قوات الأمن التي لازالت إلى حد كتابة هاته الأسطر تتعامل وفق منطق القوة المتناسبة وتطبق التعليمات التي أتتها بعدم الانسياق وراء أي رد فعل قد يخلف ضحايا كثرا لا قدر الله، وهو ما لايريده أحد في المغرب كله اليوم.

سؤال السلمية مطروح أيضا في واقعة اقتحام المسجد رغم كل التبريرات التي أرادت أصوات البحة تقديمها لها، ومطروح في رفض استقبال وفد الحكومة القادم للحوار ووصفه بأنه “عصابة” ومطروح في  منع صلاة الجمعة بالقوة، وفي عدم احترام الحق في العمل مقابل احترام الحق في الإضراب ومطروح في تسفيه أي مشروع يقدم للمنطقة لكأن المراد فقط هو الدفع نحو التصعيد، وفي الختام اتهام الدولة بأنها هي التي تريد التصعيد. لا بل إن هاته الأصوات المبحوحة لم تجد في واقعة المسجد ماتبررها به إلا أن تقول إن جهات دفعت الزفزافي إلى ذلك الفعل لكي تورطه وتجد مبررا لاعتقاله وأن هاته الجهات هي من الدولة، وللقارئ أن يتمحص في هذا الكلام وأن يميز في كمية الحمق العالقة فيه، وهي كثيرة للغاية

الانفصال بين الحقيقة والواقع

لا أحد يقول إن سكان الحسيمة انفصاليون. الكل يعرف أنهم أكثر ارتباطا بوطنهم من البقية، وأنهم يحملون المغرب بين حنايا أضلعهم، لكن الكل يعرف أن أصواتا توجد في الخارج هي أصوات انفصالية، وهي تغذي اليوم بدعم واضح ومعروف احتجاج المدينة، وتسعى لمزيد من التصعيد مرة ببث فيديوهات مفبركة، ومرة ببث صور من بلدان أخرى ومرة بادعاءات خطيرة للغاية

هل للزفزافي علاقة بهاته الجهات الانفصالية الموجودة خارج أرض الوطن؟

السؤال صعب للغاية وكبير، وجوابه يوجد في  البحث القضائي وفي التحقيق الجاري الآن مع الزفزافي الذي يوجد رهن الاعتقال، والكل يتمنى ألا تكون لناصر أي علاقة بهاته الجهات الانفصالية الموجودة خارج أرض الوطن. الكل يتمنى ألا تكون أموال الانفصال قد غذت أي مسيرة من مسيرات الحسيمة وخرجاتها والكل يتمنى أن يكون ناصر صادقا عندما يصرح أنه ليس انفصاليا وأنه لا يؤمن بالانفصال

ومع التمني لابد من انتهاء نتائج التحقيق مع ناصر ومن معه. لابد من انتظار آلية الحق والقانون هاته، لأن هناك عدالة في البلد تتابع الرجل وتحقق معه، فإن ثبت عليه شيئ فإن هناك كلاما، وإن ثبت أنه بريء فإن كلاما آخر يفرض نفسه

مشاريع الحسيمة التنموية

هي لم تبدأ اليوم، بل بدأت منذ 2004، ووتيرتها تسارعت سنة 2015 والتأخر الحاصل في إنجازها يعود إلى الحكومة أولا، وهو لايعني أن المنطقة ظلت على الحال الذي كانت عليه من قبل. الكل وفي مقدمة هذا الكل سكان الحسيمة يعرفون أن أمورا كثيرة قد تغيرت في مدينتهم، وأن نية الإصلاح ومد اليد لمحاولة محو آثار تاريخ مؤلم الكل يعترف بها هي نية صادقة عبر عنها ملك البلاد غير مامرة وبغير ما أسلوب

المشكلة الحقيقية التي قد لا يرغب في الحديث عنها اليوم أحد هي أن هاته المشاريع البديلة قد لا تروق للجميع، وهناك في المنطقة تجارة معروفة أصحابها يطلبون فقط منطقة لا قانون أو مايعرف في الفرنسية بzone de  non droit لكي يواصلوا نشاطهم الذي يغتنون به على حساب ساكنتها الفقيرة.

وعندما تمد الدولة يدها إلى الفقراء وتقول إن الحسيمة يجب أن يحيا شعبها أولا كريما وبعدها إن بقي للبارونات المعروفين موطئ قدم من عيش فلا بأس، هنا ندخل مناطق المساس بنفوذ قوي ومتعاظم وهو نفوذ لن يسكت على تقديم البديل عنه إلى السكان

لذلك يتم اللجوء إلى التضليل وإيهام الناس أن الحسيمة لا تتوفر على مستشفى علما أن فيها ثالث مستشفى للأنكولوجيا في المغرب منذ 2004، ولذلك أيضا يسعى العديدون إلى تعطيل مناخ الاستثمار بالمدينة وقتل أي محاولة للقيام بذلك من خلال الإصرار على عدم التهدئة، جاعلين من بناء مصانع بها من طرف القطاع الخاص أمرا شبه مستحيل، إذ من هو هذا المستثمر الذي سيأتي بمصانعه إلى مدينة توجد فيها مظاهرات باستمرار؟

 الزفزافيون الجدد: من هم؟

في البدء كانوا فقط مجموعة من شباب الحسيمة الصادقين المؤمنين بصراخ الفتى التابعين له في الشوارع كلما قال جملة “الأحرار والحرائر”، لكن التحق بالأتباع اليوم وجه آخر. التحق بالحركة الزفزافية صحافيون وسياسيون متقاعدون ومعارضون كانوا موالين سابقا ومزايدون على كل الحسابات من الطبقة إياها الذين لطالما أنذروا المغاربة عبر عديد المواقع والجرائد التي تنقلوا فيها بخراب مبين، والذين غابوا عن الأنظار بعد خيبة أملهم عقب خطاب تاسع مارس التاريخي، بل والذين شبعوا سبا وشتما في المغاربة واعتبروهم شعبا “ميت النفس لن تقوم له قائمة يوما”، واعتذروا لمموليهم ولمن منحوهم أسباب الولادة أولا ثم أسباب البقاء ثانيا بالقول إن “المغرب فشي شكل”

اليوم هاهم يعودون، وهاهم يلجؤون للخطة إياها لابسين عباءة صبية الزفزافي وإن كانوا يرددون عنه في السر إنه “أصغر بكثير من السلهام الذي تم إلباسه إياه”، قبل أن يضيفوا “لكنه فعلا البروفايل المناسب للركوب على عديد الأمور، ولتحقيق عديد المآرب”.

شيء واحد ينساه هؤلاء في غمرة تبشيرهم للمغاربة بالأسوأ هو أن المغاربة لم يتغيروا تجاه وطنهم، وأنها نفس الطبيعة المغربية التي تحتاط كثيرا من مرددي الشعارات الكبرى خصوصا إذا كانت تعرفهم من قبل، والتي تصر على انتظار نتائج البحث القضائي مع من اعتقلوا متمنية ألا تصدق الأقاويل عن وجود تمويل أجنبي فعلا للقادة لكي يستمروا، وحالمة أن يكون صراخ هؤلاء وخروجهم مجرد رد فعل غاضب لشباب مغربي يريد العيش بكرامة وحرية، ومصرة على إيصال الكذاب إلى باب الدار مثلما يقول مثل المغاربة الشهير، لأنها تعودت بعد أن عضتها ثعابين كثيرة أن تخاف من طول الحبل خصوصا إذا كان الذين ينصبون هذا الحبل لها نصابون من الطراز الرفيع يعرف الكل من يمولهم ومن يحركهم وأي أجندة يلعبون لصالحها كل الألعاب.

عن الاحداث انفو

زر الذهاب إلى الأعلى