بين نبيلة منيب المغربية ولويزة حنون الجزائرية

عبد الله الفرياضي
مدير العلاقات الخارجية
للمهرجان الإفريقي للفنون الشعبية

كتبت تدوينة على صفحتي على موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، تحت عنوان “فضيلة التواصل بين الحداثيين والإسلاميين في المغرب”، عزوت فيها العزلة الجماهيرية والشعبية التي تتخبط فيها التنظيمات الحزبية اليسارية الحداثية في المغرب إلى ضحالة وبؤس استراتيجياتها التواصلية، لكنها بقيت للأسف  الشديد  مجرد صرخة في واد.

فعوض أن توقظ في نفوس اليساريين – الذين يتواصلون معي على الأقل – سؤال حتمية النقد الذاتي بخصوص منسوب التواصل لديهم مع الجماهير الشعبية، سارع العديد منهم إلى التهجم علي، سواء عبر سيل من المكالمات الهاتفية أو ما يماثلها من رسائل إلكترونية تلقيتها على صفحتي الفايسبوكية، مصدرها في الغالب حسابات مجهولة الملكية. غير أن القاسم المشترك بنيها يتمثل في ثلاث نقط أساسية هي:

  • دفاعها المستميت وغير المؤطر حِجاجِيا عن الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد نبيلة منيب، ووصفها بالزعيمة السياسية الوحيدة التي تستحق تسيير البلاد.
  • اتهامي شخصيا من بعض المتفاعلين مع التدوينة بأنني أقوم بتصفية الحساب مع القيادية نبيلة منيب لأنها لم تعر دعوتي لها أي اهتمام، فيما رآى آخرون أن تلك التدوينة دليل صارخ على أنني قد تم توظيفي لخدمة أجندات جهات مختلفة للتهجم على منيب، تارة لفائدة من سموهم “خفافيش الظلام الإسلاميين” كناية عن حزب العدالة والتنمية، وطورا لفائدة من سموه بحزب القصر في إشارة للأصالة والمعاصرة. بل ذهب خيال بعضهم أبعد من ذلك حين وصفوا موقفي من ضحالة التواصل السياسي لنبيلة منيب بأنه حجة ساطعة على أنني مجرد “عبد مطيع لأسيادي الذين أشتغل لفائدتهم في الأجهزة الاستخباراتية المخزنية” على حد قولهم.
  • لم يجرأ أي أحد من هؤلاء المتفاعلين مع تدوينتي على التعبير جهرا عن موقفه في إطار خاصية التعليق التي يتيحها موقع التواصل الاجتماعي فايسبوك، مما يزكي بقوة ما أرادوا نفيه مما سبق لي أن سميته بؤس الفعل التواصلي لليسار الحزبي الحداثي.

ومن غريب الصدف أنه لم تمر سوى ساعات معدودات على انتقادي للنزعة الاستعلائية التي تعاملت بها الأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد مع الدعوة التي وجهتها لها للمساهمة في تأطير ندوة حول “التحديات السياسية للاستقرار الأمني بإفريقيا” في إطار الفضاء الأكاديمي للمهرجان الإفريقي للفنون الشعبية بمدينة أكادير إلى جانب قيادات سياسية أخرى، قلت لم تمر سوى ساعات معدودات على ذلك حتى توصلت بمكالمة هاتفية من المرشحة السابقة للانتخابات الرئاسية بالجزائر الأمينة العامة لحزب العمال الجزائري القيادية اليسارية المشهورة دوليا لويزة حنون للتعبير عن أسفها لعدم تمكنها من حضور فعاليات المهرجان بعدما وجهت لها دعوة في الموضوع، وذلك لتزامن توقيته مع اجتماع دولي ستترأسه بالجزائر لهيئة “الوفاق الدولي للشعوب والعمال” التي تشغل منصب منسقتها الدولية.

هنا سيلاحظ الجميع الفرق الشاسع بين السلوك التواصلي الراقي للأمينة العامة لحزب العمال الجزائري وبين السلوك التواصلي البئيس للأمينة العامة للحزب الاشتراكي الموحد المغربي، رغم أن المقارنة في الواقع غير منطقية وغير مقبولة أصلا بين القياديتين. فالسلوك التواصلي للقيادية اليسارية الجزائرية، بالرغم مما تعانيه الجزائر من عسر ديمقراطي، جعل الشعب الجزائري يمكن حزبها من الظفر بكتلة برلمانية مكونة من 24 برلمانيا دون الحديث عن المقاعد التي تحصل عليها في المجالس الجماعية.

في المقابل لم يجن الحزب الاشتراكي الموحد الذي لا يملك أي ممثل في البرلمان إلا عزلة خانقة من الشعب المغربي في الانتخابات الجماعية الأخيرة على سبيل المثال، وذلك بسبب السلوك التواصلي البئيس لزعيمته. فرغم أن حزب منيب قد دخل في تكتل انتخابي مع حزبين يساريين آخرين في إطار ما سمي “فدرالية اليسار الديمقراطي”، إلا أن هذا التكتل الانتخابي لم يحصل سوى على ما مجموعه 333 مقعدا جماعيا من أصل 31.503 مقعدا، أي ما لا يتجاوز نسبة 1.06 في المائة من مجموع المقاعد الجماعية بالمغرب. وهو ما يفيد أن منيب قد قادت الفدرالية إلى الهاوية بعدما سبق لهذا التكتل أن حصل في جماعيات 2009 على حوالي 475 مقعدا جماعيا رغم ضحالة هذا الرقم هو أيضا.

بل إن اللائحة الانتخابية التي قادتها “الزعيمة” اليسارية المغربية بمقاطعة سيدي بليوط بالدار البيضاء، والتي أقحمت فيها ابنتها دنيا حجي كوصيفة للائحة النسائية الإضافية، قد منيت بهزيمة نكراء بعدما لم تتمكن من الحصول على أي مقعد بعدما لم تتمكن من تجاوز العتبة الانتخابية المحددة في 6 في المائة من مجموع الأصوات المدلى بها، في الوقت الذي ظفر فيه حزب العدالة والتنمية بحصة 17 مقعدا متبوعا بالاتحاد الاشتراكي الذي حصل على خمسة مقاعد ثم أحزاب الأصالة والمعاصة والاستقلال والأحرار التي حصلت على ثلاثة مقاعد لكل حزب وحزب الاتحاد الدستوري بمقعد واحد.

يتضح مما سبق أن الأحزاب اليسارية الحداثية لن تتمكن من كسب الود الجماهيري إلا إذا نزلت قياداتها من أبراجها العاجية وتخلصت من مرض جنون العظمة الذي يسكنها لتتواصل مع الجماهير الشعبية. إن اليسار بكل بساطة، في حاجة ماسة إلى استدماج “التواصل” كفضيلة أخلاقية وكآلية للتمدد الجماهيري في تصريفه لفعل السياسة. وإلا فإن مصيره سيكون هو التحول من حالة الوجود بالفعل إلى حالة الوجود بالقوة. وبعبارة أخرى، سوف يأتي وقت ليس بالبعيد لن يكون فيه اليسار بسبب غياب التواصل مع الجماهير إلا أثرا بعد عين.

أما بالنسبة للذين رموني بخدمة أجندات “البام” أو العدالة والتنمية فيكفيني أن أخبرهم أنني انتخبت عضوا بالمجلس الوطني للحزب الجديد الذي سيعلن عن تسميته خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجديد والإنصاف يوم الأحد 15 ماي المقبل، بعد عملية الاندماج الناجحة بينه وبين تنسيقية “تامونت” التي تضم الحزب الديمقراطي الأمازيغي والقيادات الأمازيغية المنشقة عن حزبي الحركة الشعبية والحركة الديمقراطية الاجتماعية وكذا فعاليات من الفدرالية الوطنية للجمعيات الأمازيغية بالمغرب وفعاليات يسارية وحداثية مستقلة.

Haut du formulaire

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى